تتفاقم يوما بعد يوم مأساة الأوضاع الصحية في أوكرانيا مع انتشار وباء الإنفلونزا في أجزائها الغربية وانتقاله التدريجي إلى عدة مدن وسطى وشرقية أخرى، حيث أعلنت اليوم وزارة الصحة أن عدد الضحايا بلغ نحو 360 شخصا، من بينهم عشرات الأطفال والنساء الحوامل، بالإضافة إلى عدد من الأطباء والممرضين، وأن عدد المصابين بالوباء زاد عن المليون ونصف المليون، ثبت مخبريا إصابة 225 فقط منهم بفيروس H1N1 المسبب لإنفلونزا الخنازير، حالة نحو 30 منهم حرجة.
وبحسب الوزارة فإن الالتهاب الرئوي الحاد هو السبب الرئيس للوباء في البلاد، وإن أكثر المناطق تضررا هي مناطق لفوف وإيفانوفرانكوفسك وترنوبل وزاكارباتيا الغربية، التي سجلت فيها نحو 85% من حالات الوفاة.
وحذر علماء أوكرانيون في بريطانيا من أن سلوك الفيروس الرئيس المسبب للوباء في أوكرانيا لا يشبه أبدا سلوك فيروس H1N1 المسبب لإنفلونزا الخنازير من حيث سرعة الانتشار، وإنه يشبه إلى درجة كبيرة الفيروس الذي سبب وباء انتشر عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، وأدى إلى وفاة نحو 20 مليون شخص، مشيرين إلى أن الفيروس "يحرق" الرئتين ويجعل لونهما أسودا كما لو كانت الوفاة ناتجة عن حريق لا عن إصابة بمرض معد، وهذا ما بينته بالفعل نتائج تشريح عدد من الضحايا في غرب أوكرانيا.
وفي هذا الإطار قال ميرون باريسوفيتش كبير أطباء مدينة لفوف الغربية الأكثر تضررا إنه على يقين من أن الفيروس المسبب للوباء لا علاقة له بفيروس إنفلونزا الخنازير، لكنه لم يتم حتى الآن التعرف عليه بدقة.
ويزيد شح الأدوية والكمامات الواقية في الصيدليات المحلية والمستشفيات من سوء الأوضاع، بالإضافة إلى عجز الأخيرة عن استيعاب المرضى المصابين وخاصة في المناطق الغربية المنكوبة، حيث يرقد فيها نحو 63 ألف شخص فقط من إجمالي عدد المصابين، الأمر الذي يضطر الباقين لمعالجة أنفسهم بأنفسهم في البيوت، مترددين بين الحينة والأخرى على المستشفيات أو المستشفيات المتنقلة التي أقامتها وزارة الطوارئ، وذلك لإجراء فحوصات دورية وتلقي ما تيسر من علاج.
وقد بلغ حجم ما استوردته حكومة تيموشينكو من دواء التاميفلو المضاد للفيروسات 600 ألف علبة حتى الآن، بالإضافة إلى تبرع عدة دول مجاورة بكميات كبيرة من الأدوية والكمامات، كبولندا وروسيا، وعرض دول أخرى مساعدة أوكرانيا على مكافحة انتشار الوباء من منطلق خبرتها في هذا المجال كإسبانيا.
أبعاد سياسية
هذا وبدأ وباء الإنفلونزا يأخذ أبعاديا سياسية منذ أيام انتشاره الأولى في أوكرانيا قبل نحو ثلاثة أسابيع، حيث بات حديث الساعة بين ساسة البلاد، وخاصة بين مرشحي أحزاب وقوى المعارضة الذين انهالوا باتهامات التقصير على حكومة رئيسة الوزراء يوليا تيموشينكو.
فقد اتهم مجلس الأمن القومي في البلاد حكومة تيموشينكو بعد الاكتراث بنداءات التحذير العالمية التي حذرت من انتشار إنفلونزا الخنازير، واتهم الادعاء العام تيموشينكو بتجاهل تحذير وجهه إليها منتصف الشهر الماضي بعد ازدياد أعداد المصابين بالإنفلونزا غرب البلاد، واتهمت الرئاسة أيضا تيموشينكو بالتقصير وتركيز الاهتمام على الترشح لخوض الانتخابات الرئاسية المقرر عقدها مطلع العام المقبل، ورفض الرئيس يوتشينكو المصادقة على قانون يقضي بصرف مبلغ مليار غريفين (125 مليون دولار تقريبا) من الميزانية الحكومية لمكافحة انتشار الوباء مشككا بأنه سيستثمر لمصالح انتخابية من قبل تيموشينكو لا لمكافحة الوباء، ولمح قبل أيام إلى إمكانية تأجيل الانتخابات الرئاسية من بداية شهر يناير 2010 المقبل إلى نهاية شهر مايو من العام نفسه.
واتهمت أيضا عدة أحزاب وقوى سياسية معارضة حكومة تيموشينكو بالتقصير والعجز عن إنقاذ البلاد مما هي فيه، ومن أبرزها حزب الأقاليم الذي يتزعمه المرشح الرئاسي فيكتور يانوكوفيتش، حيث اتهم يانوكوفيتش تيموشينكو بالإهمال والتقصير بدعم معامل الأدوية الحكومية، مما سبب عجزا كبيرا في كميات الأدوية، وأدى إلى توسيع مساحة رقعة انتشار الوباء وسرعته.
وفي هذا السياق قال قيادي في الحزب إن من عادة رئيسة الوزراء تيموشينكو أن تركز دائما على أمور وتهمل أخرى، ثم تنتفض نشاطا بعد الوقوع في المشاكل، وهذا ما تكرر مرارا خلال رئاستها للحكومة، فأشعلت أزمة سياسية بإهمال وجود أحزاب وقوى المعارضة، وأوقعت البلاد في كارثة الديون الخارجية عندما لم تهيء البلاد لمواجهة الأزمة المالية العالمية، واليوم نرى كيف أن عشرات المواطنين يموتون يوميا بسبب إهمال التحذيرات ودعم المستشفيات وتوفير مستلزمات الوقاية والعلاج.
لكن قياديا في حزب بيووت أكد أن الرئاسة والمعارضة أثارت ضجة كبيرة حول الوباء بهدف التأثير سلبا على ترشح زعيمة الحزب تيموشينكو وإضعافها، وأن الأوضاع في أوكرانيا ليست الأسوأ عالميا، داعيا إلى الكف عن الاتهامات وترك الكلام في وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية للأطباء حتى انتهاء أزمة الوباء.
يذكر أن استطلاعا للرأي أجراه مؤخرا مركز الدراسات والبحوث الاجتماعية في العاصمة كييف بين أنه خلال الأسابيع الماضي تراجعت إلى حد كبير نسب مؤيدي تيموشينكو لرئاسة البلاد (23%)، مقابل ارتفاع نسبة مؤيدي يانوكوفيتش الذي يتصدر حتى الآن قائمة أبرز المرشحين وأوفرهم حظا (40%)، في ظل ترشح 15 شخصا رسميا للانتخابات، من أبرزهم الرئيس يوتشينكو ورئيس البرلمان فلاديمير ليتفين.
وعزا عدد من المحللين هذه النتائج إلى انتشار الوباء واستثمار حزب الأقاليم المعارض له سياسيا لصالح يانوكوفيتش ضد تيموشينكو.
مركز الرائد الإعلامي